أحمد بن علي القلقشندي

188

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الأمناء الثّقات الذين تؤمن غائلة أحدهم في كلّ أمره ؛ وما ألقي السّرّ الشريف إلَّا لأكمل الأعيان ، وصدر الزّمان ، وبليغ كسحبان ، وفصيح كقسّ في هذا الزمان ، وأصيل في الأنساب ، وعريق في كرم الأحساب ، وفاضل يعنو له فاضل بيسان ( 1 ) ، وينشي لفظه الدّر والمرجان ، وكاتب السّرّ فلا يفوه بلسان . ولمّا كان فلان هو واسطة عقد الأفاضل ، ورأس الرّؤساء الأماثل ، وحافظ السّرّ في السّويداء من قلبه ، وناظم الدّرّ في سطور كتبه ، والمورد على مسامعنا الشريفة من عبارته ألفاظا عذابا ، القائل صوابا ، والمجيد خطابا ، وإذا جهّز مهمّا شريفا راعاه بعينه عودا وذهابا ، وإذا استعطف القلوب النافرة عادت الأعداء أحبابا ، وإذا أرعد وأبرق على مأزق أغنى عن الجيوش وأبدى عجبا عجابا ، وإذا كتب أنبت في القرطاس رياضا خصابا . فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه كذا . فليحلّ هذا المنصب الشّريف حلول القمر هالته ، وليعد إليه أيّام سرّه وسروره الفائتة ، وليعرب عن أصول ثابتة ، وفروع في منابت الخير نابتة ، ولينفّذ المهمات الشّريفة أوّلا فأوّلا من غير أن يعدق مهمّا بغيره أو يبيّته إلى غده ، وليحرّر البريد المنصور بيديه غير معتمد فيه على غير رشده ، ولا يغب عن وظيفته طرفة عين بل يكون كالنّجم في رصده لمرتصده ، وليوص كتّاب الإنشاء لديه ، والمتصرّفين بين يديه ، بكتم السّرّ فإن ذلك إليه ؛ فإذا أفشى أحد من السّرّ كلمة ، فليزجره وليأمره أن يحفظ لسانه وقلمه ، وليعط كلّ قضيّة ما تستحقها من تنفيذ كلمة ؛ والابتداءات والأجوبة فلتكن ثغورها بألفاظه متشنّبة ( 2 ) وعقودها بإملائه منتظمة ؛ فأمّا الابتداء فهو على اقتراحه ، وأمّا الجواب فهو على ما يقتضيه الكتاب الوارد باصطلاحه ؛ ولا يملي إلا إلى ثقاته ونصّاحه ؛ والكتب الملوكية فليوفّها مقاصدها ، وليراع عوائدها ؛

--> ( 1 ) الإشارات الواردة هي على التوالي إلى : سحبان وائل ، وقسّ بن ساعدة الإياديّ ، والقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني . ( 2 ) الشّنب : جمال الثغر . والمراد : متجملَّة .